السبت، 13 يونيو، 2009

أقدم أراجوز فى مصر: الأراجوز.. ملوش فى السياسة!!

الأراجوز.. فن له رسالة

كتبت يمنى مختار- اليوم السابع

"أراجوز.. أراجوز إنما فنان ويجوز يا زمان أنا كنت زمان غاوى الأرجزة طيارى، فلسان كحيان إنما برضك راجل إنسان، بضرب بالألف لسان ولسان، وباكلها بعرقى ومش إحسان، أراجوز وأضحك كل صبى وعجوز، على اللى بيتنطط فرقع لوز". تلك صفات الأراجوز التى جسدها الفنان العالمى عمر الشريف فى فيلم الأراجوز، الذى لم يراه مجرد أداة للتسلية إنما مثالا للذكاء والدراية بما يدور حوله، مما يجعل له دور فعال فى توعية الناس بما يتعرضون له من استغلال للوصول إلى مطامع أكبر.

عم صابر المصرى، أقدم أراجوز فى مصر، يحرك أراجوزه منذ ما يقرب من 40 سنة كاملة، رحلة طويلة شاقة بدأها صغيرا عندما كانت تقوده شقاوة الأطفال ليعتلى سور إحدى الملاهى الليلية فى ميدان الكيت الكات ليشاهد الفنان محمود شكوكو، الذى عشق صوته وأداءه المميز وعروضه المبهرة التى يستخدم فيها الأراجوز، الذى لم يكن يتخيل أنها مجرد عرائس، حيث كان يعتقد أن أطفالا صغيرة هم من يقدمون هذا العرض.

دخل الأراجوز قلبه من اللحظة الأولى ليصبح رفيق دربه الذى لا يستطيع الاستغناء عنه، بل يمكنه أن يبذل أى مشقة ليبقوا سويا، كانت البداية فى الموالد حيث تعرف على فنانى فرقة حسب الله الذى عمل معهم كطبال، حيث كان حريصا على تعلم أى شئ يمكنه من إتقان دور الأراجوز. 10 سنوات كاملة قضاها فى الموالد وكأنها مدرسة يتعلم فيها كيف يغنى ويطبل ويلقى النكت والفوازير، وتعرف على الأداء المختلف للأراجوز الذى كان يضحك الكبار والصغار بكلمات قليلة حتى وإن كانت خارجة عن الآداب. "زمان كانت الناس على نياتها، لو الأراجوز قال أى حاجة تضحك عليها"، يصف عم صابر جمهور الموالد قديما الذين يختلفون تماما عن جمهور هذه الأيام "دلوقتى الإنسان بقى داخله اللؤم والمكر ومبقاش على نياته زى زمان".

طوال العشر سنوات التى قضاها عم صابر فى الموالد، تتلمذ على يد ملك الأراجوز "نعمة الله العجمى"، والذى كان يطلق عليه فى هذا الوقت فيلسوف الأراجوز فتعلم منه القصص المختلفة التى يرويها وكيف يحرك الأراجوز وكيف يصنع زمارته التى تصدر ذلك الصوت المميز. تعرف على طريقة نحت الأراجوز وملابسه المميزة التى لابد أن تبقى نظيفة لأنه بطل العرض، وبعد أن تمكن من كل تفاصيله، انتقل إلى شارع محمد على وتعرف على كثير من الفنانين الذى فتحوا له الطريق ليقدم عروضه فى المدارس والحضانات وأعياد الميلاد.

وما بين قصص الأراجوز التى حفظها عم صابر من شكوكو، والقصص الأخرى التى تعلمها فى الموالد، بدأ فى إضافة مضمون تربوى لهذه القصص ليساعد أولياء الأمور على تربية الطفل خاصة بعد أن انتقل بعروضه من الموالد إلى المدارس والحضانات واعياد الميلاد، "أنا صلحت أداء الأراجوز حتى يبعد عن أى عبارات جارحة سواء للطفل أو للكبار"، فمحرك الأراجوز لابد أن يتمتع بذكاء يمكنه من اختيار الألفاظ المناسبة.

"أهم صفة فى محرك الأراجوز هى الأخلاق"، خاصة وأنه يتعامل مع عدد كبير من الأطفال، ولا يستطيع أى شخص أن يقوم بهذا الدور، فالأراجوز يجمع ما بين المطرب والمهرج والموسيقى، أدوار مختلفة يؤديها الأراجوز فى العرض ليدخل السعادة إلى قلب الطفل الذى يشاهده "أنا بحس أنى قدام أولادى وبسعدهم بأدائى، لما الطفل بيضحك ببقى سعيد وفرحان زيه".

ربما تنظر للأراجوز كوسيلة للتسلية والترفيه، لكنه يمثل لعم صابر الكثير "لما بشوف الأراجوز فى الشنطة بيبقى نفسى أخده فى حضنى كأنه ابنى اللى كان وش السعد عليه"، فى الوقت الذى ينفى فيه ارتباط ظهور الأراجوز بالأوضاع السياسية والاقتصادية المتردية "الأراجوز ملوش دعوة بالسياسة خالص، إحنا بنحاول نصلح الوضع لكن الكلام فى السياسة حيدخلنا فى متاهات"، فالعرض الذى يطلق عليه حرب اليهود والذى يتناول قصة قتل ابن الأراجوز على يد موشى ديان، ومحاولة الأراجوز أن يأخذ بثأر ابنه، وهنا يبرز اختلال القوى ما بين الصهاينة الذين يملكون الطائرات والدبابات، فى الوقت الذى لا يملك ابن الأراجوز غير الحجارة، وتنتهى النمرة بأن يقتل الأراجوز موشى ديان مرددا "من قتل يقتل ولو بعد حين" فنمرة الأراجوز يمكن أن تحمل مضمونا سياسيا لكن دون استخدام ألفاظ مباشرة.

لكن هل يستطيع الأراجوز الخوض فى مشاكلنا الداخلية؟ يرفض عم صابر تناول مثل هذه المشاكل حيث يرى أن مهمته أن ينسى الناس همومها من خلال الضحك "لو اتكلمت عن طوابير العيش أبقى بعمل سوء تفاهم أكبر، وبدل ما أهدى النفوس بشعللها أكتر". بعد أن اقترب عم صابر من عامه السبعين، يشعر أنه أكمل رسالته تجاه أولاده الأربعة الذين رغم عشقهم للمهنة، إلا أنه كان حريصا على إبعادهم عن هذا الفن، "أنا أتربيت فى المجال ده واستحملت المشقة، الواحد لما يتعب فى شئ ميحبش أولاده يتعبوا زيه"، وإن كان استطاع إبعادهم عن هذا المجال، إلا أنه لن يستطيع أن ينزع من قلوبهم حبهم للأراجوز بقصصه المختلفة التى تجذبهم هم وأحفاده، الذى يحرص على الاحتفال بأعياد ميلادهم بحضور الأراجوز، "ولادى لم يعارضوا مهنتى أبدا، فأنا مش أفضل من محمود شكوكو وهو راجل فنان بلدى لا يمكن التشكيك فى موهبته، ورغم ذلك مات فقيرا لأنه أحب الفن".

وبقى أن يفكر فى مستقبل الأراجوز حتى لا ينساه الجيل الجديد، ففكر فى تعليم الأطفال خيال الظل والأراجوز من خلال مجموعة من ورش العمل التى تحاول تطوير هذا الفن وإثرائه من خلال عدد من الروايات ومسرحيات من خيال هؤلاء الأطفال.



ليست هناك تعليقات:

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...

زوار المدونة